عبد الغني 28
07-11-2009, 02:42 PM
لمحة عن نشأة المصالح الإدارية المختصة (S.A.S)
1- تعريف و نشأة المصالح الإدارية المختصة.
2- تكوين ضباط الشؤون الأهلية (ضباط SAS).
لمحة عن نشأة المصالح الإدارية المختصة( S.A.S):
1 - تعريف ونشأة المصالح الإدارية المختصة :
في سياق تطور السياسة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، شكلت المصالح الإدارية المختصة، وهي مجموعة من المصالح الإدارية المدنية والعسكرية في آن واحد، وقد تم إنشاؤها بعد انهيار النظام الإداري القديم المتمثل في المكاتب العربية، يقودها مجموعة من الضباط الفرنسيين يعرفون باسم ضباط الشؤون الأهلية المتكونين في معاهد متخصصة في الشؤون الجزائرية (Initiation aux affaires algériennes)، وهم متخصصون في الدعاية وعلم النفس، والشؤون الجزائرية، ويتقنون التكلم باللغة العربية واللهجات المحلية (1)
تعني كذلك العمل الاجتماعي والسيكولوجي للجيش الفرنسي المتخصص في عملية التهدئة في القرى والأرياف والمدن، من اجل عزل الشعب عن جبهة وجيش التحرير الوطني وقطع صلته بالثورة.
تعتبر في نفس الوقت تنظيمات شبه عسكرية تسهر على تنفيذ أوامر وتعليمات الإدارة الاستعمارية، وشرحها وتنظيم الحالة المدنية، وفرض النظام وهي تتكون من عدة مصالح متنوعة :
- مصلحة الحالة المدنية.
- مصلحة الاستعلامات.
- مصلحة الإدارة.
- المصلحة السيكولوجية (مجموعة المرشدات، المصالح الطبية والممرضات، مصلحة المرشدين الموجهين للتعليم).
- مصلحة الدعاية.
- مصلحة التنشيط (بيوت الشباب) (2).
file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif(1) : منشورات المركز الوطني للدراسات و البحث في الحركة الوطنية و ثورة أول نوفمبر 1954، "ضباط الشؤون الأهلية (S.A.S) وتصدي الثورة لهم"، الأبيار، الجزائر، ص : 3.4.
(2) : أنظر الموقع الالكتروني WWW.CNERH.NOV54.dz
عادة ما يكون مقر هذه المصالح بالقرب من المراكز العسكرية للجيش، و الأحياء الشبه عسكرية، محروسة بالكلاب البوليسية المدربة ((Pisteurs، و كذا قوات المخزن، والجنود الفرنسيين و الحركى من اجل حراستها، وهي تتواجد خاصة بالمناطق الريفية و التي يسيطر عليها جيش التحرير الوطني، و بعد القيام بعملية تمشيط لهذه المناطق من طرف قوات الجيش الفرنسي، تدعم هذه المراكز الإدارية بوحدات عسكرية، يلف حولها السكان من الأرياف في شكل محتشدات و تجمعات سكانية، مستغلة في دعايتها فقر السكان و بؤسهم و عدة طرق و حيل يستخدمها خبراء الحرب النفسية بهدف كسب ثقة هؤلاء السكان، و التظاهر أمامهم بالعطف و الشفقة، وتحت التهديد بأسلوب المسؤولية الجماعية عندما ينفذ جيش التحرير الوطني عملية ما (1).
ما دام المصالح الإدارية المختصة SAS (2) موجودة في الأرياف، فإن المصالح الإدارية الحضرية SAU (3)هي نظيرتها و مثيلتها في المدن و ضواحيها، ولكن يمكن اعتبارها شيء واحد، لأن هدفهما واحد و هو العمل على تهدئة السكان الريفيين في الريف و محاولة إدماجهم في العالم الحضري، وتشجيع قبول هؤلاء الريفيين و ضمهم إلى المدينة لسهولة الاتصال بهم، و استغلالهم في الحصول على المعلومات عن الثوار، ومراقبتهم و منع اتصالهم بالثوار في آن واحد (4).
و عليه، من خلال وزارة الدفاع الاستعمارية يمكن أن نعتبر المصالح الإدارية المختصة المنتشرة في الأرياف، هي نفسها المصالح الإدارية الحضرية في المدن لأن حسب ادعاء وزارة الدفاع أن العلاقة متكاملة بين SAS و SAU في منشور لها قائلة : "كل واحد منهما يخدم الآخر، وكل منهما يصب في قالب واحد، ألا وهو خدمة هؤلاء السكان".
file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif
(1) : منشورات المركز الوطني للدراسات و البحث في الحركة الوطنية و ثورة أول نوفمبر 1954، مرجع سابق، ص : 4.
(2) : Sections Administratives Spécialisées : S.A.S.
(3) :Sections Administratives Urbaines : S.A.U.
(4) : Ministère de la défense française, les sections administratives spécialisées en Algérie - un outil pour la stabilisation, Paris, France, 2005, P : 22
أما فيما يخص نشأة المصالح الإدارية المختصة هناك نمطان أثرا في إعداد النظام السياسي الإداري في الجزائربعد انهيار النظام القديم للإدارة الفرنسية سنة 1955 : نمط المكاتب العربية، التي انبثقت من تاريخ تهدئة الجزائر في القرن 19م و كذا نمط التسلسلات المتوازية التي طورها العقيد "لاشيروي "Lacheroy بناءا على خبرته في حرب الهند الصينية (1).
من أجل معرفة نشأة المصالح الإدارية المختصة، وجب علينا أولا معرفة الدوافع و الظروف المساعدة على ذلك، وكذا الشخصيات الفاعلة في هذا الميدان، و منها شخصية جاك سوستال الحاكم العام آنذاك، و الجنرال بارلونج (2)، و تأثير الظروف المحيطة بهما في الجزائر، خاصة مع أن السنوات الأولى كانت ضربة قاتلة بالنسبة للسلطات الفرنسية، وكذا المهمات المحدد ة لهما، والتي تم إعادة تحديد مفهومها عن طريق مراسيم قرارات الجرائد الرسمية، و في ظل هذه الظروف سارعت الادارة الاستعمارية الى تعيين شخصيات تتماشى والوضع الراهن. من اجل العيش في الأرياف الجزائرية التي صارت دعما جليا للثوار، و الرغبة في تطوير السياسة الاقتصادية و الاجتماعية و العسكرية في الأرياف، الأمر الذي جعلها تكلف مصلحة الشؤون الجزائرية بتكوين إطارات متخصصة في هذا الجانب، و منحها الوسائل المادية و البشرية من اجل تأدية المهام المنوطة بها على أكمل وجه (3).
file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gifقبل تعيين جاك سوستال على رأس الحكومة العامة، يمكن أن نلمس تقارب الآراء حول تفسير هذه الظروف (ظروف الثورة)، فهاهو جون هيرتز رئيس الدائرة ببسكرة قد تم إعلامه في 24-10-1954 بإمكانية حدوث تمرد بالجنوب الجزائري، و كذا في مقاطعته، من طرف الباشاغا، حيث و بعد أن أنبأه هذا الأخير، هنا عمد رئيس الدائرة هيرتز إلى تبليغ السلطات المعنية، و لكنها لم تول له أدنى اهتمام، و في 24 نوفمبر من نفس السنة، قام هذا الأخير بزيارة إلى "مشونش" المتواجدة في منطقة الاوراس، من أجل أن يتناقش مع وزير الداخلية آنذاك فرا نسوا ميتران حول هذه الأوضاع (4).
(1) : Hartmut Elsenhans, la guerre d’Algérie 1954-1962 la transition d’une France à une autre le passage de la IVème à la Vème république, Publisud, Paris, France, 2000, P : 551.
(2) : Grégor Mathias, les sections administratives spécialisées en Algérie entre idéal et réalité 1954-1962, l’Harmattan, Paris, France, 1998,P : 19.
(3) :Yves Courrière, la guerre d’Algérie, TOM02, Fayard, France, 1969, P : 54.
(4) : Grégor Mathias, Idem, P : 20.
حيث يوضح هيرتز ذلك في قوله : "أخبرته بان الأمور كانت خطيرة، و يجب على الحكومة أن تقوم بإصلاحات سياسية، و توفر لنا وسائل عسكرية، و إلا تفاقم الوضع، فأجابني وزير الداخلية : هل تعتقد ذلك ؟ سوف نرى، سوف نرى...".
إن مطالب الإصلاحات السياسية و الوسائل العسكرية الإضافية التي كانت بحوزة الإدارة المدنية مرفقة كذلك بمطلب الجنرال سبيلمان الذي قضى مجمل حياته في المغرب، و الذي كان يقود في سنة 1955 معسكرا بقسنطينة، واصفا نقائص النظام العسكري الفرنسي في الجزائر، و كذا مطالبته في 22-01-1955 بتزويد كل الجنرالات الفرنسيين على مستوى الأقطار الجزائرية بالمكاتب العسكرية للعمل البسيكولوحي و الاستعلامات، و تزويدهم شخصيا بحوالي 20 ضابطا من ضباط ((AI(1)، 10 للأوراس، 06 للقبائل الكبرى، و 04 لندرومة (2).
مع نهاية سنة 1954 و بداية سنة 1955 طالبت بعض الشخصيات هي الأخرى بإجراء إصلاحات سياسية، و تقديم وسائل عسكرية إضافية، و إنشاء المكاتب العسكرية أو ما يعرف بضباط الشؤون الإسلامية، و يتعلق الأمر هنا بالتنسيق بين السلطات المدنية و العسكرية على المستوى البلدي، و بمناسبة زيارة جاك سوستال إلى الأوراس، باتنة، مشونش، بني بنيان، أريس، خنشلة، و تبسة، ثم القبائل الكبرى، فالجزائر، لاحظ خلالها وجود ثلاثة مشاكل :
المشكل الأول و المتمثل في سوء تسيير الجزائر التي كانت تحت النظام البلدي المختلط و الذي يعود إنشاءه إلى شهر ديسمبر من عام 1875، المقسم إلى مشاتي و دواوير، و التي كانت مسيرة من طرف القياد (موظفون مسلمون)، و رغم أن نظام 1947 يلغي نظريا البلديات المختلطة إلا انه في حقيقة الأمر لم ينجح سوى في وقف تشغيل الإداريين.(3)
file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image002.gif
(1) : (AI) Affaires Indigènes ضباط الشؤون الأهلية
(2) : Yves Courrière, Op. Cit., P : 150.
(3):Grégor mathias, OP.CIT ,P :21
المشكل الثاني الذي لاحظه هو فشل تلك العمليات العسكرية الكبرى للتمشيط بالنسبة لقائد المنطقة العاشرة الجنرال شريار. كما انتقد هذه العمليات فوجور قائد الأمن في الجزائر الذي يقول: " كنا نبعث بوحدات لتدمير القرى، و قصف بعض المناطق، إنها بمثابة استخدام المهراس لتحطيم حشرة..."، كما أنكر الحاكم العام جاك سوستال هذا الأسلوب القمعي ضد السكان، حيث أمر بتفادي مثل هذه الأساليب في تقرير بعث به إلى القائد العسكري Germaine Tillion، و لكن في رأينا أن غريغور ماتياس في هذه النقاط ، يبالغ في تظاهره بالعطف على السكان الجزائريين آنذاك، و إنما هي مجرد صحيفة استند إليها في كتاباته كانت متعاطفة مع الجزائريين.
المشكل الثالث هو نقص الاستعلامات التي تعتبر عنصر ضروري في نجاح أي عملية عسكرية، و السبب في هذا النقص يعود إلى غياب الاتصالات و الاحتكاك بالشعب، فالإداريين لم يكن لهم أدنى حد من الاتصال معه، بينما إدارة القياد التي كانت مقتصرة على مراكز بعض المدن آنذاك، كانت شبه منعدمة في الدواوير، و هنا أكد جاك سوستا ل انه وجد نقصا كبيرا في الحصول على المعلومات بالنسبة إلى الإدارة و الجيش حيث قال في هذا الصدد : " إن ثمرة الأخطاء المتراكمة منذ بداية القرن و نهاية الحرب الأخيرة : إلغاء المكاتب العربية و توقيف تعيين الإداريين" (1).
قراءتنا لهذه المشاكل الثلاث التي عرضها غريغور ماتياس في كتابه المصالح الإدارية المختصة في الجزائر بين الحقيقة و الخيال، جعلتنا نسلم بالقول أنها هي التي أدت إلى إنشاء المصالح الإدارية المختصة، حيث وضح دليل ضباط الشؤون الجزائرية المطبوع في 01-10-1957، هذه الفكرة حينما يشير إلى تلخيص أهداف جاك سوستا ل في هذه الكلمات : "مهمتنا هي إنشاء و إرساء قواعد النظام و الأمن، ليس ضد السكان المسلمين، و لكن من اجلهم و معهم"، و يقصد هنا الرغبة في إنشاء المصالح الإدارية المختصة للعمل السيكولوجي في إطار سياسة التهدئة (2)(Pacification).
file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image003.gif
(1) : Grégor Mathias, Op. Cit., P : 21 – 22.
(2) : Ministère de la défense française, Op. Cit., P : 17.
يقر الجنرال بارلونج عن رغبته في دعم فكرة الحاكم العام جاك سوستال، و الذي وكل إليه هذا الأخير القيام بالمهمات الأساسية في الاوراس في 25-07-1955، حيث يقول: "إن الحرب المادية لابد أن تتبع بحرب نفسية و انه لمؤسف لزعماء إفريقيا الذين لا يفهمون ذلك".(1)
إن تقويض الثورة التي اشتدت في الاوراس مدين بشكل كبير للجنرال بارلونج تحت إدارة جاك سوستا ل، الذي عمل على زيادة المراكز الإدارية الموكلة إلى ضباط الشؤون الأهلية، الذين تم استقدامهم من المغرب، فالخبرة ليست بالجديدة مع أنها مستحدثة مع إنشاء المكاتب العربية، و لكنها ظهرت في ثوب جديد عندما أوكلت إلى أجود العارفين بالمحيط البربري، أمثال الجنرال بارلونج الذي استقبل تعليمات الحكام المدنيين و العسكريين في الاوراس في ماي 1955 بنتائج معتبرة و التي سوف تكون واضحة و جلية بعد عدة أشهر فيما بعد (2).
خلال ربيع سنة 1955، اشتد لهيب الثورة التحريرية في الاوراس، و صارت الأوضاع أكثر تأزما، و في ظل هذا الظرف قرر الحاكم العام جاك سوستال خلق قيادة مدنية إلى جانب القيادة العسكرية تحت إشراف الجنرال بارلونج في 30 افريل من نفس السنة، و ذلك بتهدئة الأوضاع و التخفيف من حدة الثورة، و قد سمحت له هذه الوظيفة بالاستيلاء على جميع السلطات المدنية (رئيس دائرة، شرطي، إداري...)(3)، و كذا جميع الفرق الموجودة في منطقته باعتباره ضابط قديم في مصلحة الشؤون الأهلية في المغرب، لذلك خوله جاك سوستال بمهمة تنفيذ عملية الطائر(4)، في الاوراس برفقة أربعة عشر ضابطا قديما في الشؤون الأهلية، و تسعة من ضباط الشؤون الصحراوية، وبعد مرور شهرين قدم بارلونج حصيلة عملية الطائر الأزرق : خلق أسس سياسية و عسكرية ،تمتين العلاقات مع الشعب، محــــاولة التقـــريب بين الأوروبيــين و المســـلمين، فالنتيجة كانت على قدرها : انشأ ضباط
file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image003.gif
(1) : Ministère de la défense française, Op. Cit., P : 17.
(2) : Bernard Droz, Histoire de la guerre d’Algérie 1954-1962, Seuil, France, 1991, P : 69-70.
(3) : Grégor Mathias, Op. Cit., P : 24-25.
(4) : بدأت تجربة الطائر الأزرق في شهر نوفمبر 1955، وهي فكرة للحاكم العام جاك سوستال، تسمى كذلك بالعملية العسكرية السرية، كوماندو: كk، قوة كk، عملية المؤامرة، كلفت بها م.أ.خ، نفذها الجنرال بوفر في منطقة القبائل، وبارلونج بمساعدة بسيلمان بالأوراس.
الشؤون الأهلية فرق الدفاع الذاتي (1)(GAD)(750 رجلا)، الاستعلامات بدأت تنساب من الفروع الإدارية، الشعب تعب من الاختناق و التضييق الممارس عليه، و قد ابرز الجنرال بارلونج هذه النتائج المتواضعة في العملية الهادفة إلى المطالبة بإنشاء م.إ.خ، في قوله : " بعض النتائج حساسة على المستوى المحلي، و لكن لا تقودنا إلى النجاح".
حسب جريدة Le monde الفرنسية فان التجربة نجحت بسبب خبرة شخصية بارلونج، و كذا دور ضباط الشؤون الأهلية، و من جهته أكد جاك سوستا ل على تعميم العملية على باقي المناطق بخلق م.إ.خ ،كما يؤكد رئيس دائرة بسكرة خلال اتصال له مع بارلونج في الاوراس أن هذا الأخير مارس ضغطا كبيرا على جاك سوستال، حتى أقنعه بتدعيم الإدارة، وأوضح أن البلديات المختلطة كانت كبيرة بالنسبة للإداري و موظفيه، فبعضهم كان لا يخرج إلا نادرا بسبب كثرة الأشغال الإدارية، لذلك طالبوا بإصلاحات إدارية، كما كان لتجربة حرب الهند الصينية دورا فعالا في هذا المجال، و كذا تجربة الشؤون الأهلية في المغرب، وهذا ما يوضحه الجنرال بارلونج الذي يحسب له قيادة م.إ.خ حيث يقول : "هو أو أنا"، أي أنا أو جاك سوستال، وكتب لجاك سوستال : " ضباط م.إ.خ سيوجهون أولا كمساعدين إداريين في البلديات المختلطة ثم يصبحوا موظفين متقدمين في الدواوير البعيدة عن مقر البلدية المختلطة" (2)، و من هنا بدأت تجربة م.إ.خ رغم أنها لم تكن وليدة منتصف القرن 20 ميلادي، و إنما كانت موروثة عن تجربة المكاتب العربية في القرن 19 ميلادي (3).
يرجع الفضل في نجاح الفكرة إلى قوة شخصية جاك سوستال، ويمكننا أن نلحظ مدى قوة هذه الشخصية بتقديم فرضية تضافر التأثيرات : تجربته في (BCRA)(4)، وانشغاله كخبير في علوم الأجناس البشرية (الانثروبولوجيا)، أي دراسة السلالات البشرية وأهمية معـــرفة الشعوب والاهتمام بها، ملاحظته تطـبيق سياسة الأهالي للحكومة المكسيكية (تدريــــس وعلاج الهنود)، وكذلك الشخصيات المحيـطة بـه، و التي كان لها خبرة في حرب
file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image003.gif
(1) : GAD Groupe d'autodéfense : فرق الدفاع الذاتي .
(2) : Grégor Mathias, OP.Cit, P : 26.
(3) : M.D.F. Op. Cit., P : 18.
(4) : B.C.R.A Bureau central de renseignements et d'action المكتب المركزي للاستعلامات والعمل
الهند الصينية، الجنرال كونستو، الرائد مونتاي، الجنرال بارلونج كلهم شاركوا في هذه الحرب (الهند الصينية)، وكذا إدارة فروليك (1).
مع بداية صائفة 1955 رسم كل من الحاكم جاك سوستال و الجنرال بارلونج أجندة الأعمال للشؤون الأهلية المغربية، وقرروا تدعيم إدارة البلديات المختلطة، و عملا على خلق هذه المصالح في المناطق الريفية المرتبطة بإدارة الشؤون الأهلية الجزائرية بالعاصمة، حيث طلبا من القوات المسلحة و على رأسها القوات البرية نشر مجموعة من الضباط وصف الضباط استعدادا لخدمة الشؤون الأهلية (2).
هكذا أنشأت أولى هذه المصالح الإدارية في افريل 1955، في الوقت الذي كانت فيه العمليات العسكرية التمشيطية المحضة في جبال الأوراس تعرف فشلا ذريعا بقيادة بارلونج الذي أوكلت إليه كل الكفاءات العسكرية و المدنية بها، و بعد قدوم مجموعة من الضباط المتخصصين في الشؤون الأهلية المغربية من أجل إقامة اللبنات الأولى لهذه المراكز، التي أنشئت رسميا كجهاز مستقل في شهرسبتمبر1955، و تم إخضاعها للمصلحة المركزية للشؤون الجزائرية (SCAA)(3)، و هنا قرر جاك سوستال كخطوة أولى إنشاء 180 مصلحة إدارية جديدة إلى غاية الفاتح من جانفي 1956، وكان عددها يقدر ﺑ 350 مصلحة مع نهاية نفس السنة، ووصل عددها على 560 مع نهاية سنة 1957، ثم أخذ عددها في الزيادة خلال سنتي 1958-1959 إلى أن بلغ عددها حوالي 688 مع نهاية سنة 1960(4).
كما تم وضع خريطة(5) لتوزيع مراكز الشؤون الأهلية حسب الأهمية السكانية والجغرافية والإستراتيجية لكل منطقة، علما أن السلطات الفرنسية كانت تهدف من وراء تكثيف المراكز المختصة إلى خلق شبكات للتجسس ومراقبة تحركات الأهالي وزرع الخوف لمنعهم من دعم الثورة، ففي سنة 1960 كانت هناك 700 مصلحة إدارية متربعة على
(1) file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif: أنظر الموقع الالكتروني : WWW.HARKIS.Com
(2) : أنظر الموقع الالكتروني : WWW.MONISTE.WANDOO.Fr (http://www.moniste.wandoo.fr/)
(3) : Service centralisé des affaires algériennes S.C.A.A.
(4) : Hartmut Elsenhans, Op. Cit., P : 552.
(5) : أنظر الملحق رقم 1.
مختلف الأقطار الجزائرية من اجل إقامة البني التحتية لمعالجة الأهالي وعلاج السكان وتعليم الأطفال وتثبيت النظام(1).
إن هذه المراكز الموجهة لضباط الشؤون الأهلية عرفت تزايدا وارتفاعا في العدد حيث ُقفزت من 688 إلى 738 مصلحة في الفترة ما بين 1960-1961، رغم أن جزءا من م.إ.خ التي تم تعدادها هنا لم توجد في الأرياف بل عملت في الأحياء الفقيرة في المدن الكبرى، كما يمكن أن نقدر في المرحلة النهائية لإنشاء م.ا.خ بأنه يوجد في الأرياف مصلحة واحدة لما يقارب 10.000 ساكن، فهذه الأرقام تعادل الحد الأدنى المتوقع في البداية بالنسبة لـ : م.أ.خ، كما أن اتساع هذه المراكز اعتبر شيئا ضروريا حسب رأي بعض الدوائر الإدارية الاستعمارية إذ لم يكن من الممكن تحقيقه بسبب وحيد وهو نقص الموظفين، ومع بداية حرب الجزائر لم تكن المصالح الإدارية المختصة سوى مجرد وسيلة لتعويض النقص الإداري في الأرياف بعدما قامت جبهة التحرير الوطني بتحطيم الآليات القديمة للإدارة الفرنسية(2).
(1) file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif: أنظر الموقع الالكتروني : WWW.HARKIS.Com
(2) : Hartmut Elsenhans, Op. Cit., P : 553
2- تكوين ضباط الشؤون الأهلية (ضباط SAS):
تخرج ضباط الشؤون الأهلية أو ضباط المصالح الإدارية المختصة من معاهد خاصة في الشؤون الجزائرية، فهم العنصر الأساسي في عملية التهدئة، أنهم يمثلون عمل الشؤون الأهلية بالمغرب في سنوات 1925 و 1930، مهمتهم محددة بقوانين ومراسيم، كما كانوا يلزمون بتعلم اللغة العربية واللهجات المحلية، ولهم مهام متعددة بتعدد الوظائف التي كانوا يمارسونها، فمنهم من كان يترأس البلدية، ومنهم من كان يشرف على بناء التجمعات السكنية والمحتشدات ويخطط لبناء القرى وشق الطرقات، ومنهم من كان يترأس المندوبيات الإدارية، ومنهم من كان يستقبل شكايات المواطنين(1).
تم استقدام ضباط الشؤون الأهلية إلى الجزائر منذ عام 1955، ومعظمهم ممن تدرب في مدرسة الماريشال "ليوتي" بالمغرب الأقصى، فتخصصوا في دراسة فنون ووسائل الاتصال بالسكان، وعادات وتقاليد المجتمع الريفي، وأتقنوا لهجاته المختلفة حتى يسهل عليهم الاندماج فيه، وقد أسندت إدارة هؤلاء الضباط إلى الجنرال بارلونج وأوْكل أليهم أمر محاربة الثورة بأساليب سلمية تسير في خط مواز إلى جانب الأساليب العسكرية، لذلك نجد أن كل مركز عسكري بالجزائر يوجد إلى جانبه مركز لضباط م.ا.خ ليخدم كل منها الآخر(2).
لقد كتب الملازم "أندوك" في شأن هؤلاء الضباط واصفا تكوينهم و خصوصياتهم حيث قال في هذا الصدد : "لقد كانت المملكة المغربية هي المكلفة بتكوين ضباط الشؤون الأهلية، ثم يتم استدعاؤهم لمساعدة الإدارة العسكرية في الحرب النفسية، وقد كونوا الشؤون الجزائرية من روح أجسادهم : إنهم كانوا ذووا دراية بثقافة المسلمين..." ويضيف أيضا قائلا : "مكاتب لاصاص كانت تتطلب مجموعة من الضباط لم يكن لهم مثيل في أي مكان لأنهم كانوا مكلفين بمهمة صعبة وغريبة وهي معرفة ثقافة الأهالي، فهؤلاء كانوا على الأقل يحسنون التكلم بلغة الأهالي وثقافتهم..."(3).
(1) file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif: منشورات المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954، مرجع سابق، ص : 2.
(2) : يحي بوعزيز، ثورات الجزائر في القرنين التاسع عشر و العشرون، ط 2، ج 2، المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار، الرويبة، الجزائر، 1996، ص : 48.
(3) : M.D.F. Op. Cit., P : 18
إن عملية تكوين ضباط الشؤون الأهلية لم تكن عملية تجنيد إجبارية وإنما هي عملية تطوعية تتم عن قناعة وإرادة كاملة، سواء كان الأمر بالنسبة لهؤلاء الضباط النشطاء أو لأولئك الاحتياطيين القادمين من الجيش(1).
لقد اعتبر ضباط م.أ.خ في البداية كمتطوعين سواء من الجيش النشيط (Active) أو الجيش الاحتياطي (Appelée) وفي مختلف الأسلحة البرية أو الجوية وفي هذا الصدد يقول العميد كيافيين : "لم يكن عندي الخيار بين القبول أو الرفض إلا شجاعة التطوع"(2).
يذكر الكتاب المعنون بـــ "فرنسيين وفرنسيات تحت إرادة قوية، الجزائر بحاجة إليكم" الصادر في الثلاثي الأول 1958 الموجه إلى ضباط وضباط الصف النشطاء والاحتياطيين والشباب، طرق التسجيل و التعويض لضباط م.إ.خ : ضابط نشيط يتم ترقيته بدرجة، و هناك ترقية استثنائية تتم في المناطق العملياتية ﺑــ 24.960 فرنك قديم، و عندما يصبح ضابطا في م.إ.خ يحصل على امتياز أكثر من ضابط (AA)(3) و الذي يترقى بدرجة بين 9.000 و 18.000 فرنك فرنسي و كذلك تعويض ﺑــ 5.000 فرنك، و من اجل أن يصير هذا الضابط ضابطا في هذه المصالح يجب أن تكون له إرادة تطوعية دون أي شروط خاصة، فهؤلاء كلهم متطوعين، و طلبهم يجب أن ينتقل عن طريق السلم العسكري و الحكومة العامة في الجزائر، كما يشترط في الضابط الاحتياطي المتطوع أن يكون في وضعية نشيطة لمدة تتراوح بين 06 أشهر و 03 سنوات قابلة للتجديد محددة ﺑـ 15 سنة كخدمة عامة، و إلا فالضابط يمكن أن يعين تحت المرسوم 56-374 المؤرخ في 12-04-1956 لمدة تتراوح بين 06 أشهر و 18 شهرا قابلة للتجديد، و في هذه الحالة يتلقى الضابط الاحتياطي نفس تعويضات الضابط النشيط، أما فيما يخص ضباط الصف الاحتياطيين و النشطاء و المساعـــــدين لرؤســاء م.إ.خ عن طريق عقد تطوعي بالإضافة إلى الاستفادة من تعويضات الرتب و المنطقة العملياتية و تعويضات AA من وجهتين، فإذا بقي في منصبه لأقل من سنتين يتلقى تعويضا بقيمة 5 آلاف فرنك فرنسي قديم كمقابل له، أما إذا بقي أكثر من سنتين فانه يتلقى تعويضا يقدر ﺑــ07 آلاف فرنك قديم(4).
(1) file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif: Grégor Mathias, Op. Cit., P : 28.
(2) : M.D.F. Op. Cit., P : 25.
(3) : Affaires Algériennes (AA) الشؤون الجزائرية
(4) : Grégor Mathias, Idem, P : 29.
حسب دراسة قام بها الجيش الفرنسي في ملتقى الشؤون الجزائرية الذي انعقد في 16-10-1958 و 1959 و 1961 في بيرات Piratte بفرنسا، وضحت وجود ثلاثة فصائل من الجيش ساهمت في تمويل م.إ.خ بعناصر الجيش الضباط و صف الضباط : المشاة، جيش المدرعات و القوات الجوية، أما سن هؤلاء الضباط فلم يشار إليهم إلا في العدد السادس (06) في "Bulletin de liaison"، أما الأعداد التالية فهي لا توضح أعمارهم و هذا ما لا يسمح بتحليل التطور على المدى الطويل، فمن بين 09 ملازمين و نقيب لقوا حتفهم قد أشير إليهم في العدد السابق (06)، ورغم هذا إلا انه هناك 03 محطات كبرى لتصنيف الأعمار: ثلاثة ضباط بين 25 و 26 سنة، وضابطين بين 34 و 36 سنة، وضابط واحد يتراوح عمره بين 44 و47 سنة، كما أن احتياجات التوظيف لم تمنع عددا كبيرا من الضباط من التطوع، و يمكن أن نصنف هؤلاء المتطوعين حسب دوافعهم في التطوع إلى سبعة أنماط متتالية :
1- قدامى الضباط في الشؤون الأهلية بالمغرب الأقصى : و هم الذين أرادوا أن يكملوا و يتموا مهمتهم في الجزائر، فبعض هؤلاء مر بتجربة الطائر للجنرال بارلونج، و لكن العائق الوحيد الذي مس هؤلاء الضباط هو السن المحدد ﺑـ45 سنة، فدوافعهم تجلت في الرغبة لمواصلة التجربة التي أثبتت نجاحها في المغرب، لقد وضعوا في مقدمة م.إ.خ و كونوا بعدها سلم الشؤون الجزائرية على مستوى الدوائر والأمانات(1).
2- قدامى المحاربين في الهند الصينية(2) : يبدو أن هؤلاء ضجروا من الحرب العنيفة ورأوا في م.إ.خ وسيلة يمكنهم من خلالها تقديم خدمات لفرنسا، و لكن بعد اصطدامهم بهذه التجربة أخفقوا إخفاق حرب طبقية، لقد أدركوا أهمية الشعب في مواجهة من هذا النوع، فدوافع هؤلاء الضباط هي استغلال التجربة من اجل إنجاحها في الجزائر، حيث يصف "جون فينسنت" هذا النمط من ضباط م.إ.خ : " عمليا كلهم قدموا من الهند الصينية، فهذه التجربة ذات أهمية (...)، في هذه الحرب كل الضربات استخدمت من طرف الفيتناميين"(3).
(1) file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif: Grégor Mathias, Op. Cit., P : 32.
(2) : M.D.F. Op. Cit., P : 27.
(3) : Grégor Mathias, Idem, P : 33.
3- مجموعة الخبراء الذين كان لهم دراية بأحوال المغرب العربي و اللغة العربية : هؤلاء يمكن اعتبارهم كمتطوعين لان تكوينهم قادهم آليا إلى الاحتكاك بالجماهير الشعبية، و نجد من بين هؤلاء "نايتول" الذي قدم من مركز الدراسات الأفروآسيوية بعد إنهاء تربصه تحت قيادة العقيد "لاشيروي" تلقى أمرا مع عشرة ضباط آخرين للالتحاق بالجزائر لتدعيم البلديات المختلطة بعد مروره بتدريب قصير في مصلحة الشؤون الصحراوية ألحق مباشرة بهذه الطبقة، كما توضح نشرة الشؤون الصحراوية في عددها العشرين الصادر في ماي 1955 أن تسعة من ضباطه قد ألحقوا بجنوب قسنطينة لشغل مناصب الاتصال والاستعلام تحت سلطة الجنرال بارلونج أثناء قيامه بتجربة الطائر(1).
4- المثاليين : وغالبيتهم كاثوليك جاءوا يحملون المثل التي بدت عليهم بدءا من مباشرة أعمالهم في م.إ.خ، إنهم جاءوا يحملون شعار مساعدة السكان على خطى المبشر الجاسوس شارل دوفوكو، وهذا ما يوضحه "فيفي" في قوله : "إن ملك 25 سنة ستكون في خدمة هذا الشعب، إن هذا يعطي معنى للحياة"(2).
5- المتطوعين للمرة الثانية : هؤلاء تطوعوا ثانية، إنهم جددوا تطوعهم، حيث أرادوا أن يشغلوا مناصب إدارية دون خبرة بالريف، و كانوا من بين الذين عملوا من قبل في الجزائر، و لكنهم أرادوا مواصلة عملهم في محاربة جبهة التحرير الوطني بطرق أخرى.
6- أصحاب الغايات السيئة : هؤلاء كانت لهم غايات سيئة، كانوا يبحثون عن أمجاد و تشريفات، انخدعوا لأنهم قدموا على أساس أنهم سيعملون في وحدات إدارية، و هؤلاء هم المحاسبون وعمال البنوك وأعوان التامين وممثلي التجارة، لقد تفاجئوا حينما وجهت إليهم قيادة المخزن و الأمن و الكمائن و الدوريات و كانوا يعتقدون إنهم لا يشغلون إلا المناصب الإدارية كتوجيه الأعوان مثلا، فنصفهم أصيب بصدمة و خيبة أمل حيث قال احدهم ممن كانوا في القبائل الكبرى : "عندي أربعة أبناء و لا أريد أن يصيبني أي أذى"(3).
(1) file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif: Grégor Mathias, Op. Cit., P : 33.
(2) : M.D.F. Op. Cit., P : 28.
(3) : Grégor Mathias, Idem, P : 34.
لكن التقرير الأدبي الذي كتبه العقيد "نيوكس" سنة 1958 يوضح انه منذ البداية كانت معنويات هؤلاء الضباط منحطة لأن غاياتهم سيئة، و لكن مع اندماجهم في العمل بنشاط لتوجيه المصلحة الإدارية المختصة على شاطئ البحر و المصلحة الإدارية الحضرية للجزائر العاصمة ارتفعت معنوياتهم، حيث يقول : " برجوازيون في الغالب يبقوا برجوازيين"، و يقصد "نيوكس" في قوله هذا إلى أن هؤلاء ليسوا ضباطا من النوع الذي يتحمل المشاق كنصب الكمائن و الدوريات بل كما ذكر "غريغور ماتياس" أن غايتهم هي شغل مناصب البرجوازيين في الإدارة و التوجيه و التسيير، لذلك نجد أن العقيد "نيوكس" نظر إليهم من هذا المنظار، و لكن في الحقيقة إنهم كانوا يهابون الحرب التي كان يخوضها جيش التحرير الوطني في الجبال، فصاروا جبناء كلما تذكروا حرب الهند الصينية، لأنها تشبه إلى حد ما ثورة التحرير، خاصة حرب العصابات التي أرعبهم بها الثوار.
7- الضباط المنفصلين عن م.إ.خ الذين احتفظوا بعملهم كضباط فيالق : فهؤلاء ألحقوا بالمصالح الإدارية المختصة، و لكن مع إبقائهم في وظائفهم كضباط فوج أو فيلق، فهذا النمط ليس هامشيا، بل لعب دورا كبيرا في م.إ.خ، نذكر من بينهم الملازم "بتيتبواس Petitbois" الذي كان رئيسا بالمصلحة المختصة "اللفعة" في جويلية 1957 و لكنه كان يدير أيضا فصيلة المدفعية، و الذي بقي في وظيفته عندما طلب رسميا تحويله إلى م.إ.خ، و مثله "ألكي "J.Y Alquies الذي كان رئيسا في المصلحة المختصة "القصر صباحي" في جوان 1958، وقد كان من قبل رئيس (قائد) للمضليين ما بين أكتوبر1956 إلى أوت 1957.
رغم هذه التحفيزات المالية و الترقيات في الرتب إلا أن عدد المتطوعين ظل غير كاف بسبب الشروط المطلوبة في السن المحدد كأقصى حد ﺑـ 45 سنة، مثلما حدث للملازم "مونتييرو" في م.إ.خ بــ"ماسينة" و الذي كان مناضلا قديما، لكنه أزيح فيما بعد من منصبه كرئيس للمصلحة المذكورة لأن سنه بلغ 46 سنة، و يذكر هذا الأخير بأنه من بين 650 مصلحة كان هناك 300 منها على رأسها قادة لا يؤمنون بمهمتهم و هو ما يمثل أكثر 45 % و هذا ما يعكس مشكلة التجنيد، و المتطوعين عن قناعة نادرين في الجيش النشيط، و لكن رغم هذا إلا أنهم قدموا خدمات جليلة و قيمة(1)
(1) file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif: Grégor Mathias, Op. Cit., P : 34-35
يذكر عالم الأجناس البشرية "جون سيرفيي" في كتابه "وداعا يا جبال" أنه في محاورته لأحد ضباطه المختارين بإرغام والذين عينوا قسرا، و الذي كان ضابطا في المصلحة الجديدة حول المنظمة الأخوية للرافضين لقرية المصلحة المختصة، فرد عليه انه لا يعرف القرية و انه لم يخرج أبدا.
يقول "جون سيرفيي" عن العوائق التي واجهت السلطات الاستعمارية في تجنيد ضباط م.إ.خ، عندما سأل الضابط الذي حاوره عن تطوعه أو إرغامه فردد : " لقد ضقت ذرعا من هذه المهنة السيئة، لقد فضلت أن أكون جنديا في الجيش ألا تفهم ذلك أيها الناظور (الشامبيط)، لقد أجبروني على البقاء دون استشارتي"(1).
أما فيما يخص التربص من اجل التكوين، فان ضباط م.إ.خ كانوا يخضعون إلى نمطين من التربص : تربص طويل المدى وهو يخص الضباط الراغبين في الخدمة على المدى الطويل في الشؤون الأهلية، حيث يدوم سنة كاملة يتلقون فيه تكوينا إداريا متخصصا يحتوي على مجموعة من المعارف حول اللغة العربية و الأمازيغية و عادات المجتمع الإسلامي، إضافة إلى التدريبات التطبيقية والخرجات الميدانية لتكملة تكوينهم، كما كان يقدم لهم برنامجا مكثفا يتناول قضايا عسكرية و قضايا التسيير العام : المحاسبة و الفلاحة في المناطق القاحلة كما توضح الندوة الصحفية للجنرال "بارتيوت"، النمط الثاني من التربص الذي يشمل تربص قصير المدى، يكون فيه التعليم عاما مع دوامه لمدة شهر، مع إمكانية مواصلة الدراسة حول اللغة العربية و الأمازيغية عن طريق المراسلة، و لكن هذا الأخير يقر بوجود ثغرات في هذا التكوين، حيث كان يتلقى فيه الضباط مجموعة من المعارف التاريخية و الجغرافية و اللسانية (اللغات) عن الجزائر، و بسبب وجود مشكلة التجنيد و الإسراع في إنشاء المصالح المختصة فإن قليلا من هؤلاء الضباط هم الذين نالوا تربصا طويلا، أما البــــاقي فقد اكتـــفوا بالتربص القصير المــدى مثــل المجـــند "جاك بـــاجي" الذي قـــال(2):
(1) file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif: M.D.F. Op. Cit., P : 26
(2) : Grégor Mathias, Op. Cit., P : 35-36
"إن مدة تربصي كانت تتراوح بين 10 أيام أو شهر و ربما 24 ساعة فقط "، وهذا التربص كان قبل كل شيء متخصص في تعليم اللغة العربية حيث يضيف قائلا : " أن 40 ساعة كاملة كانت مخصصة لتعليم اللغة العربية، و يضاف إليها دروسا بالمراسلة"، ورغم هذا فإن نصف من هؤلاء الضباط فقط هم الذين تتوفر فيهم الكفاءة اللغوية لربط علاقات مع السكان (الأهالي) و من اجل ضمان تقدم خدمة الاستعلامات، لأن التكوين المقدم لهم كان مركزا على التجسس والاستعمال الفوري للمعلومات البسيطة.
لذلك فان تكوينهم كان ناقصا كما يشير إليه المرشح "لاشوم" في قوله : "كان هنالك عجز في التكوين خاصة في البلديات الجديدة للسكان الأصليين، و بخاصة فيما يتعلق بالميزانية و تنفيذها و كذا مصالح الحالة المدنية، لذلك يعتبر هذا النقص من عوامل الفشل في الاستقرار، و كما يؤكد ذلك القائد "لالان" الذي أرسل يوم حضوره من العاصمة إلى المصلحة الإدارية المتواجدة بتنس : "لقد كان إقحاما سريعا و مليئا بالمفاجآت والطوارئ"، و لكن عند ذهابهم إلى مهامهم يكون هؤلاء الضباط مزودين بدراسات مكتوبة من طرف الضباط الأوائل والسابقين في العمل، حيث تحتوي هذه الدراسات على وصف لكل شيء عن الدواوير و المناخ و التضاريس و عن الأشخاص الذين لهم نفوذ على غيرهم من السكان و كذلك عدد المدارس و الأودية و طرق المواصلات و الجمعيات، و هذا يعتبر بمثابة معرفة قاعدية للبيئة الجديدة التي سيعملون فيها، و يعتبر اكتسابهم لأشياء و معارف جديدة في الميدان مكملا لهذا التكوين النظري، و رغم هذا إلا أن اغلب التربصات كانت قصيرة و سريعة بسبب حالة الطوارئ و الاضطرابات في الأرياف و نأخذ على سبيل المثال "ميار" الذي خضع لتربص دام 04 أيام فقط في جويلية 1960 في ارزيو حيث كان يقوم بسبعة ساعات في ندوة لليوم الواحد مقسمة على أعمال تطبيقية وتنظيمية وتسديد بالمسدس وزيارة المصالح الإدارية المختصة و الدفاع الذاتي، و كذلك الأمر بالنسبة للملازم فيفي الذي تربص في ديسمبر 1958 حول "SAU" المركز الإداري الحضري في القصبة لمدة شهرين، خضع خلالها للــــــدروس في اللغة العربية "أيمينا تاقارا" لمدة 06 أشهر ثم أتمها بشهرين(1)
(1) file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif: Grégor Mathias, Op. Cit., P : 36
كتربص تطبيقي في بلاد القبائل، في جويلية 1958 و بعد أربعة أشهر من التكوين اخذ مكانه في لاصاص، و هنا يعطي بارتيوت الإحصائيات التالية : 15% من ضباط لاصاص يعرفون اللغة العربية و القبائلية، 50% قادرين على مراقبة مترجميهم، فجميع الضباط عندهم مبادئ اللغة العربية(1).
حسب ما سبق ذكره آنفا، ما يمكن أن نستخلصه كخلاصة لهذا الفصل هو أن م.إ.خ ما هي إلا عبارة عن عمل بسيكولوجي (حرب نفسية) يسير جنبا إلى جنب مع العمل العسكري، و ما هي إلا امتداد للسياسة الاستعمارية في النصف الثاني من القرن 19 م و المتمثل في سياسة المكاتب العربية، فظهرت في ثوب جديد تحت اسم م.إ.خ و تحت إشراف ضباط الشؤون الأهلية.
file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image002.gif
(1) Grégor Mathias, Op. Cit., P : 37-38 :
1- تعريف و نشأة المصالح الإدارية المختصة.
2- تكوين ضباط الشؤون الأهلية (ضباط SAS).
لمحة عن نشأة المصالح الإدارية المختصة( S.A.S):
1 - تعريف ونشأة المصالح الإدارية المختصة :
في سياق تطور السياسة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، شكلت المصالح الإدارية المختصة، وهي مجموعة من المصالح الإدارية المدنية والعسكرية في آن واحد، وقد تم إنشاؤها بعد انهيار النظام الإداري القديم المتمثل في المكاتب العربية، يقودها مجموعة من الضباط الفرنسيين يعرفون باسم ضباط الشؤون الأهلية المتكونين في معاهد متخصصة في الشؤون الجزائرية (Initiation aux affaires algériennes)، وهم متخصصون في الدعاية وعلم النفس، والشؤون الجزائرية، ويتقنون التكلم باللغة العربية واللهجات المحلية (1)
تعني كذلك العمل الاجتماعي والسيكولوجي للجيش الفرنسي المتخصص في عملية التهدئة في القرى والأرياف والمدن، من اجل عزل الشعب عن جبهة وجيش التحرير الوطني وقطع صلته بالثورة.
تعتبر في نفس الوقت تنظيمات شبه عسكرية تسهر على تنفيذ أوامر وتعليمات الإدارة الاستعمارية، وشرحها وتنظيم الحالة المدنية، وفرض النظام وهي تتكون من عدة مصالح متنوعة :
- مصلحة الحالة المدنية.
- مصلحة الاستعلامات.
- مصلحة الإدارة.
- المصلحة السيكولوجية (مجموعة المرشدات، المصالح الطبية والممرضات، مصلحة المرشدين الموجهين للتعليم).
- مصلحة الدعاية.
- مصلحة التنشيط (بيوت الشباب) (2).
file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif(1) : منشورات المركز الوطني للدراسات و البحث في الحركة الوطنية و ثورة أول نوفمبر 1954، "ضباط الشؤون الأهلية (S.A.S) وتصدي الثورة لهم"، الأبيار، الجزائر، ص : 3.4.
(2) : أنظر الموقع الالكتروني WWW.CNERH.NOV54.dz
عادة ما يكون مقر هذه المصالح بالقرب من المراكز العسكرية للجيش، و الأحياء الشبه عسكرية، محروسة بالكلاب البوليسية المدربة ((Pisteurs، و كذا قوات المخزن، والجنود الفرنسيين و الحركى من اجل حراستها، وهي تتواجد خاصة بالمناطق الريفية و التي يسيطر عليها جيش التحرير الوطني، و بعد القيام بعملية تمشيط لهذه المناطق من طرف قوات الجيش الفرنسي، تدعم هذه المراكز الإدارية بوحدات عسكرية، يلف حولها السكان من الأرياف في شكل محتشدات و تجمعات سكانية، مستغلة في دعايتها فقر السكان و بؤسهم و عدة طرق و حيل يستخدمها خبراء الحرب النفسية بهدف كسب ثقة هؤلاء السكان، و التظاهر أمامهم بالعطف و الشفقة، وتحت التهديد بأسلوب المسؤولية الجماعية عندما ينفذ جيش التحرير الوطني عملية ما (1).
ما دام المصالح الإدارية المختصة SAS (2) موجودة في الأرياف، فإن المصالح الإدارية الحضرية SAU (3)هي نظيرتها و مثيلتها في المدن و ضواحيها، ولكن يمكن اعتبارها شيء واحد، لأن هدفهما واحد و هو العمل على تهدئة السكان الريفيين في الريف و محاولة إدماجهم في العالم الحضري، وتشجيع قبول هؤلاء الريفيين و ضمهم إلى المدينة لسهولة الاتصال بهم، و استغلالهم في الحصول على المعلومات عن الثوار، ومراقبتهم و منع اتصالهم بالثوار في آن واحد (4).
و عليه، من خلال وزارة الدفاع الاستعمارية يمكن أن نعتبر المصالح الإدارية المختصة المنتشرة في الأرياف، هي نفسها المصالح الإدارية الحضرية في المدن لأن حسب ادعاء وزارة الدفاع أن العلاقة متكاملة بين SAS و SAU في منشور لها قائلة : "كل واحد منهما يخدم الآخر، وكل منهما يصب في قالب واحد، ألا وهو خدمة هؤلاء السكان".
file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif
(1) : منشورات المركز الوطني للدراسات و البحث في الحركة الوطنية و ثورة أول نوفمبر 1954، مرجع سابق، ص : 4.
(2) : Sections Administratives Spécialisées : S.A.S.
(3) :Sections Administratives Urbaines : S.A.U.
(4) : Ministère de la défense française, les sections administratives spécialisées en Algérie - un outil pour la stabilisation, Paris, France, 2005, P : 22
أما فيما يخص نشأة المصالح الإدارية المختصة هناك نمطان أثرا في إعداد النظام السياسي الإداري في الجزائربعد انهيار النظام القديم للإدارة الفرنسية سنة 1955 : نمط المكاتب العربية، التي انبثقت من تاريخ تهدئة الجزائر في القرن 19م و كذا نمط التسلسلات المتوازية التي طورها العقيد "لاشيروي "Lacheroy بناءا على خبرته في حرب الهند الصينية (1).
من أجل معرفة نشأة المصالح الإدارية المختصة، وجب علينا أولا معرفة الدوافع و الظروف المساعدة على ذلك، وكذا الشخصيات الفاعلة في هذا الميدان، و منها شخصية جاك سوستال الحاكم العام آنذاك، و الجنرال بارلونج (2)، و تأثير الظروف المحيطة بهما في الجزائر، خاصة مع أن السنوات الأولى كانت ضربة قاتلة بالنسبة للسلطات الفرنسية، وكذا المهمات المحدد ة لهما، والتي تم إعادة تحديد مفهومها عن طريق مراسيم قرارات الجرائد الرسمية، و في ظل هذه الظروف سارعت الادارة الاستعمارية الى تعيين شخصيات تتماشى والوضع الراهن. من اجل العيش في الأرياف الجزائرية التي صارت دعما جليا للثوار، و الرغبة في تطوير السياسة الاقتصادية و الاجتماعية و العسكرية في الأرياف، الأمر الذي جعلها تكلف مصلحة الشؤون الجزائرية بتكوين إطارات متخصصة في هذا الجانب، و منحها الوسائل المادية و البشرية من اجل تأدية المهام المنوطة بها على أكمل وجه (3).
file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gifقبل تعيين جاك سوستال على رأس الحكومة العامة، يمكن أن نلمس تقارب الآراء حول تفسير هذه الظروف (ظروف الثورة)، فهاهو جون هيرتز رئيس الدائرة ببسكرة قد تم إعلامه في 24-10-1954 بإمكانية حدوث تمرد بالجنوب الجزائري، و كذا في مقاطعته، من طرف الباشاغا، حيث و بعد أن أنبأه هذا الأخير، هنا عمد رئيس الدائرة هيرتز إلى تبليغ السلطات المعنية، و لكنها لم تول له أدنى اهتمام، و في 24 نوفمبر من نفس السنة، قام هذا الأخير بزيارة إلى "مشونش" المتواجدة في منطقة الاوراس، من أجل أن يتناقش مع وزير الداخلية آنذاك فرا نسوا ميتران حول هذه الأوضاع (4).
(1) : Hartmut Elsenhans, la guerre d’Algérie 1954-1962 la transition d’une France à une autre le passage de la IVème à la Vème république, Publisud, Paris, France, 2000, P : 551.
(2) : Grégor Mathias, les sections administratives spécialisées en Algérie entre idéal et réalité 1954-1962, l’Harmattan, Paris, France, 1998,P : 19.
(3) :Yves Courrière, la guerre d’Algérie, TOM02, Fayard, France, 1969, P : 54.
(4) : Grégor Mathias, Idem, P : 20.
حيث يوضح هيرتز ذلك في قوله : "أخبرته بان الأمور كانت خطيرة، و يجب على الحكومة أن تقوم بإصلاحات سياسية، و توفر لنا وسائل عسكرية، و إلا تفاقم الوضع، فأجابني وزير الداخلية : هل تعتقد ذلك ؟ سوف نرى، سوف نرى...".
إن مطالب الإصلاحات السياسية و الوسائل العسكرية الإضافية التي كانت بحوزة الإدارة المدنية مرفقة كذلك بمطلب الجنرال سبيلمان الذي قضى مجمل حياته في المغرب، و الذي كان يقود في سنة 1955 معسكرا بقسنطينة، واصفا نقائص النظام العسكري الفرنسي في الجزائر، و كذا مطالبته في 22-01-1955 بتزويد كل الجنرالات الفرنسيين على مستوى الأقطار الجزائرية بالمكاتب العسكرية للعمل البسيكولوحي و الاستعلامات، و تزويدهم شخصيا بحوالي 20 ضابطا من ضباط ((AI(1)، 10 للأوراس، 06 للقبائل الكبرى، و 04 لندرومة (2).
مع نهاية سنة 1954 و بداية سنة 1955 طالبت بعض الشخصيات هي الأخرى بإجراء إصلاحات سياسية، و تقديم وسائل عسكرية إضافية، و إنشاء المكاتب العسكرية أو ما يعرف بضباط الشؤون الإسلامية، و يتعلق الأمر هنا بالتنسيق بين السلطات المدنية و العسكرية على المستوى البلدي، و بمناسبة زيارة جاك سوستال إلى الأوراس، باتنة، مشونش، بني بنيان، أريس، خنشلة، و تبسة، ثم القبائل الكبرى، فالجزائر، لاحظ خلالها وجود ثلاثة مشاكل :
المشكل الأول و المتمثل في سوء تسيير الجزائر التي كانت تحت النظام البلدي المختلط و الذي يعود إنشاءه إلى شهر ديسمبر من عام 1875، المقسم إلى مشاتي و دواوير، و التي كانت مسيرة من طرف القياد (موظفون مسلمون)، و رغم أن نظام 1947 يلغي نظريا البلديات المختلطة إلا انه في حقيقة الأمر لم ينجح سوى في وقف تشغيل الإداريين.(3)
file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image002.gif
(1) : (AI) Affaires Indigènes ضباط الشؤون الأهلية
(2) : Yves Courrière, Op. Cit., P : 150.
(3):Grégor mathias, OP.CIT ,P :21
المشكل الثاني الذي لاحظه هو فشل تلك العمليات العسكرية الكبرى للتمشيط بالنسبة لقائد المنطقة العاشرة الجنرال شريار. كما انتقد هذه العمليات فوجور قائد الأمن في الجزائر الذي يقول: " كنا نبعث بوحدات لتدمير القرى، و قصف بعض المناطق، إنها بمثابة استخدام المهراس لتحطيم حشرة..."، كما أنكر الحاكم العام جاك سوستال هذا الأسلوب القمعي ضد السكان، حيث أمر بتفادي مثل هذه الأساليب في تقرير بعث به إلى القائد العسكري Germaine Tillion، و لكن في رأينا أن غريغور ماتياس في هذه النقاط ، يبالغ في تظاهره بالعطف على السكان الجزائريين آنذاك، و إنما هي مجرد صحيفة استند إليها في كتاباته كانت متعاطفة مع الجزائريين.
المشكل الثالث هو نقص الاستعلامات التي تعتبر عنصر ضروري في نجاح أي عملية عسكرية، و السبب في هذا النقص يعود إلى غياب الاتصالات و الاحتكاك بالشعب، فالإداريين لم يكن لهم أدنى حد من الاتصال معه، بينما إدارة القياد التي كانت مقتصرة على مراكز بعض المدن آنذاك، كانت شبه منعدمة في الدواوير، و هنا أكد جاك سوستا ل انه وجد نقصا كبيرا في الحصول على المعلومات بالنسبة إلى الإدارة و الجيش حيث قال في هذا الصدد : " إن ثمرة الأخطاء المتراكمة منذ بداية القرن و نهاية الحرب الأخيرة : إلغاء المكاتب العربية و توقيف تعيين الإداريين" (1).
قراءتنا لهذه المشاكل الثلاث التي عرضها غريغور ماتياس في كتابه المصالح الإدارية المختصة في الجزائر بين الحقيقة و الخيال، جعلتنا نسلم بالقول أنها هي التي أدت إلى إنشاء المصالح الإدارية المختصة، حيث وضح دليل ضباط الشؤون الجزائرية المطبوع في 01-10-1957، هذه الفكرة حينما يشير إلى تلخيص أهداف جاك سوستا ل في هذه الكلمات : "مهمتنا هي إنشاء و إرساء قواعد النظام و الأمن، ليس ضد السكان المسلمين، و لكن من اجلهم و معهم"، و يقصد هنا الرغبة في إنشاء المصالح الإدارية المختصة للعمل السيكولوجي في إطار سياسة التهدئة (2)(Pacification).
file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image003.gif
(1) : Grégor Mathias, Op. Cit., P : 21 – 22.
(2) : Ministère de la défense française, Op. Cit., P : 17.
يقر الجنرال بارلونج عن رغبته في دعم فكرة الحاكم العام جاك سوستال، و الذي وكل إليه هذا الأخير القيام بالمهمات الأساسية في الاوراس في 25-07-1955، حيث يقول: "إن الحرب المادية لابد أن تتبع بحرب نفسية و انه لمؤسف لزعماء إفريقيا الذين لا يفهمون ذلك".(1)
إن تقويض الثورة التي اشتدت في الاوراس مدين بشكل كبير للجنرال بارلونج تحت إدارة جاك سوستا ل، الذي عمل على زيادة المراكز الإدارية الموكلة إلى ضباط الشؤون الأهلية، الذين تم استقدامهم من المغرب، فالخبرة ليست بالجديدة مع أنها مستحدثة مع إنشاء المكاتب العربية، و لكنها ظهرت في ثوب جديد عندما أوكلت إلى أجود العارفين بالمحيط البربري، أمثال الجنرال بارلونج الذي استقبل تعليمات الحكام المدنيين و العسكريين في الاوراس في ماي 1955 بنتائج معتبرة و التي سوف تكون واضحة و جلية بعد عدة أشهر فيما بعد (2).
خلال ربيع سنة 1955، اشتد لهيب الثورة التحريرية في الاوراس، و صارت الأوضاع أكثر تأزما، و في ظل هذا الظرف قرر الحاكم العام جاك سوستال خلق قيادة مدنية إلى جانب القيادة العسكرية تحت إشراف الجنرال بارلونج في 30 افريل من نفس السنة، و ذلك بتهدئة الأوضاع و التخفيف من حدة الثورة، و قد سمحت له هذه الوظيفة بالاستيلاء على جميع السلطات المدنية (رئيس دائرة، شرطي، إداري...)(3)، و كذا جميع الفرق الموجودة في منطقته باعتباره ضابط قديم في مصلحة الشؤون الأهلية في المغرب، لذلك خوله جاك سوستال بمهمة تنفيذ عملية الطائر(4)، في الاوراس برفقة أربعة عشر ضابطا قديما في الشؤون الأهلية، و تسعة من ضباط الشؤون الصحراوية، وبعد مرور شهرين قدم بارلونج حصيلة عملية الطائر الأزرق : خلق أسس سياسية و عسكرية ،تمتين العلاقات مع الشعب، محــــاولة التقـــريب بين الأوروبيــين و المســـلمين، فالنتيجة كانت على قدرها : انشأ ضباط
file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image003.gif
(1) : Ministère de la défense française, Op. Cit., P : 17.
(2) : Bernard Droz, Histoire de la guerre d’Algérie 1954-1962, Seuil, France, 1991, P : 69-70.
(3) : Grégor Mathias, Op. Cit., P : 24-25.
(4) : بدأت تجربة الطائر الأزرق في شهر نوفمبر 1955، وهي فكرة للحاكم العام جاك سوستال، تسمى كذلك بالعملية العسكرية السرية، كوماندو: كk، قوة كk، عملية المؤامرة، كلفت بها م.أ.خ، نفذها الجنرال بوفر في منطقة القبائل، وبارلونج بمساعدة بسيلمان بالأوراس.
الشؤون الأهلية فرق الدفاع الذاتي (1)(GAD)(750 رجلا)، الاستعلامات بدأت تنساب من الفروع الإدارية، الشعب تعب من الاختناق و التضييق الممارس عليه، و قد ابرز الجنرال بارلونج هذه النتائج المتواضعة في العملية الهادفة إلى المطالبة بإنشاء م.إ.خ، في قوله : " بعض النتائج حساسة على المستوى المحلي، و لكن لا تقودنا إلى النجاح".
حسب جريدة Le monde الفرنسية فان التجربة نجحت بسبب خبرة شخصية بارلونج، و كذا دور ضباط الشؤون الأهلية، و من جهته أكد جاك سوستا ل على تعميم العملية على باقي المناطق بخلق م.إ.خ ،كما يؤكد رئيس دائرة بسكرة خلال اتصال له مع بارلونج في الاوراس أن هذا الأخير مارس ضغطا كبيرا على جاك سوستال، حتى أقنعه بتدعيم الإدارة، وأوضح أن البلديات المختلطة كانت كبيرة بالنسبة للإداري و موظفيه، فبعضهم كان لا يخرج إلا نادرا بسبب كثرة الأشغال الإدارية، لذلك طالبوا بإصلاحات إدارية، كما كان لتجربة حرب الهند الصينية دورا فعالا في هذا المجال، و كذا تجربة الشؤون الأهلية في المغرب، وهذا ما يوضحه الجنرال بارلونج الذي يحسب له قيادة م.إ.خ حيث يقول : "هو أو أنا"، أي أنا أو جاك سوستال، وكتب لجاك سوستال : " ضباط م.إ.خ سيوجهون أولا كمساعدين إداريين في البلديات المختلطة ثم يصبحوا موظفين متقدمين في الدواوير البعيدة عن مقر البلدية المختلطة" (2)، و من هنا بدأت تجربة م.إ.خ رغم أنها لم تكن وليدة منتصف القرن 20 ميلادي، و إنما كانت موروثة عن تجربة المكاتب العربية في القرن 19 ميلادي (3).
يرجع الفضل في نجاح الفكرة إلى قوة شخصية جاك سوستال، ويمكننا أن نلحظ مدى قوة هذه الشخصية بتقديم فرضية تضافر التأثيرات : تجربته في (BCRA)(4)، وانشغاله كخبير في علوم الأجناس البشرية (الانثروبولوجيا)، أي دراسة السلالات البشرية وأهمية معـــرفة الشعوب والاهتمام بها، ملاحظته تطـبيق سياسة الأهالي للحكومة المكسيكية (تدريــــس وعلاج الهنود)، وكذلك الشخصيات المحيـطة بـه، و التي كان لها خبرة في حرب
file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image003.gif
(1) : GAD Groupe d'autodéfense : فرق الدفاع الذاتي .
(2) : Grégor Mathias, OP.Cit, P : 26.
(3) : M.D.F. Op. Cit., P : 18.
(4) : B.C.R.A Bureau central de renseignements et d'action المكتب المركزي للاستعلامات والعمل
الهند الصينية، الجنرال كونستو، الرائد مونتاي، الجنرال بارلونج كلهم شاركوا في هذه الحرب (الهند الصينية)، وكذا إدارة فروليك (1).
مع بداية صائفة 1955 رسم كل من الحاكم جاك سوستال و الجنرال بارلونج أجندة الأعمال للشؤون الأهلية المغربية، وقرروا تدعيم إدارة البلديات المختلطة، و عملا على خلق هذه المصالح في المناطق الريفية المرتبطة بإدارة الشؤون الأهلية الجزائرية بالعاصمة، حيث طلبا من القوات المسلحة و على رأسها القوات البرية نشر مجموعة من الضباط وصف الضباط استعدادا لخدمة الشؤون الأهلية (2).
هكذا أنشأت أولى هذه المصالح الإدارية في افريل 1955، في الوقت الذي كانت فيه العمليات العسكرية التمشيطية المحضة في جبال الأوراس تعرف فشلا ذريعا بقيادة بارلونج الذي أوكلت إليه كل الكفاءات العسكرية و المدنية بها، و بعد قدوم مجموعة من الضباط المتخصصين في الشؤون الأهلية المغربية من أجل إقامة اللبنات الأولى لهذه المراكز، التي أنشئت رسميا كجهاز مستقل في شهرسبتمبر1955، و تم إخضاعها للمصلحة المركزية للشؤون الجزائرية (SCAA)(3)، و هنا قرر جاك سوستال كخطوة أولى إنشاء 180 مصلحة إدارية جديدة إلى غاية الفاتح من جانفي 1956، وكان عددها يقدر ﺑ 350 مصلحة مع نهاية نفس السنة، ووصل عددها على 560 مع نهاية سنة 1957، ثم أخذ عددها في الزيادة خلال سنتي 1958-1959 إلى أن بلغ عددها حوالي 688 مع نهاية سنة 1960(4).
كما تم وضع خريطة(5) لتوزيع مراكز الشؤون الأهلية حسب الأهمية السكانية والجغرافية والإستراتيجية لكل منطقة، علما أن السلطات الفرنسية كانت تهدف من وراء تكثيف المراكز المختصة إلى خلق شبكات للتجسس ومراقبة تحركات الأهالي وزرع الخوف لمنعهم من دعم الثورة، ففي سنة 1960 كانت هناك 700 مصلحة إدارية متربعة على
(1) file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif: أنظر الموقع الالكتروني : WWW.HARKIS.Com
(2) : أنظر الموقع الالكتروني : WWW.MONISTE.WANDOO.Fr (http://www.moniste.wandoo.fr/)
(3) : Service centralisé des affaires algériennes S.C.A.A.
(4) : Hartmut Elsenhans, Op. Cit., P : 552.
(5) : أنظر الملحق رقم 1.
مختلف الأقطار الجزائرية من اجل إقامة البني التحتية لمعالجة الأهالي وعلاج السكان وتعليم الأطفال وتثبيت النظام(1).
إن هذه المراكز الموجهة لضباط الشؤون الأهلية عرفت تزايدا وارتفاعا في العدد حيث ُقفزت من 688 إلى 738 مصلحة في الفترة ما بين 1960-1961، رغم أن جزءا من م.إ.خ التي تم تعدادها هنا لم توجد في الأرياف بل عملت في الأحياء الفقيرة في المدن الكبرى، كما يمكن أن نقدر في المرحلة النهائية لإنشاء م.ا.خ بأنه يوجد في الأرياف مصلحة واحدة لما يقارب 10.000 ساكن، فهذه الأرقام تعادل الحد الأدنى المتوقع في البداية بالنسبة لـ : م.أ.خ، كما أن اتساع هذه المراكز اعتبر شيئا ضروريا حسب رأي بعض الدوائر الإدارية الاستعمارية إذ لم يكن من الممكن تحقيقه بسبب وحيد وهو نقص الموظفين، ومع بداية حرب الجزائر لم تكن المصالح الإدارية المختصة سوى مجرد وسيلة لتعويض النقص الإداري في الأرياف بعدما قامت جبهة التحرير الوطني بتحطيم الآليات القديمة للإدارة الفرنسية(2).
(1) file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif: أنظر الموقع الالكتروني : WWW.HARKIS.Com
(2) : Hartmut Elsenhans, Op. Cit., P : 553
2- تكوين ضباط الشؤون الأهلية (ضباط SAS):
تخرج ضباط الشؤون الأهلية أو ضباط المصالح الإدارية المختصة من معاهد خاصة في الشؤون الجزائرية، فهم العنصر الأساسي في عملية التهدئة، أنهم يمثلون عمل الشؤون الأهلية بالمغرب في سنوات 1925 و 1930، مهمتهم محددة بقوانين ومراسيم، كما كانوا يلزمون بتعلم اللغة العربية واللهجات المحلية، ولهم مهام متعددة بتعدد الوظائف التي كانوا يمارسونها، فمنهم من كان يترأس البلدية، ومنهم من كان يشرف على بناء التجمعات السكنية والمحتشدات ويخطط لبناء القرى وشق الطرقات، ومنهم من كان يترأس المندوبيات الإدارية، ومنهم من كان يستقبل شكايات المواطنين(1).
تم استقدام ضباط الشؤون الأهلية إلى الجزائر منذ عام 1955، ومعظمهم ممن تدرب في مدرسة الماريشال "ليوتي" بالمغرب الأقصى، فتخصصوا في دراسة فنون ووسائل الاتصال بالسكان، وعادات وتقاليد المجتمع الريفي، وأتقنوا لهجاته المختلفة حتى يسهل عليهم الاندماج فيه، وقد أسندت إدارة هؤلاء الضباط إلى الجنرال بارلونج وأوْكل أليهم أمر محاربة الثورة بأساليب سلمية تسير في خط مواز إلى جانب الأساليب العسكرية، لذلك نجد أن كل مركز عسكري بالجزائر يوجد إلى جانبه مركز لضباط م.ا.خ ليخدم كل منها الآخر(2).
لقد كتب الملازم "أندوك" في شأن هؤلاء الضباط واصفا تكوينهم و خصوصياتهم حيث قال في هذا الصدد : "لقد كانت المملكة المغربية هي المكلفة بتكوين ضباط الشؤون الأهلية، ثم يتم استدعاؤهم لمساعدة الإدارة العسكرية في الحرب النفسية، وقد كونوا الشؤون الجزائرية من روح أجسادهم : إنهم كانوا ذووا دراية بثقافة المسلمين..." ويضيف أيضا قائلا : "مكاتب لاصاص كانت تتطلب مجموعة من الضباط لم يكن لهم مثيل في أي مكان لأنهم كانوا مكلفين بمهمة صعبة وغريبة وهي معرفة ثقافة الأهالي، فهؤلاء كانوا على الأقل يحسنون التكلم بلغة الأهالي وثقافتهم..."(3).
(1) file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif: منشورات المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954، مرجع سابق، ص : 2.
(2) : يحي بوعزيز، ثورات الجزائر في القرنين التاسع عشر و العشرون، ط 2، ج 2، المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار، الرويبة، الجزائر، 1996، ص : 48.
(3) : M.D.F. Op. Cit., P : 18
إن عملية تكوين ضباط الشؤون الأهلية لم تكن عملية تجنيد إجبارية وإنما هي عملية تطوعية تتم عن قناعة وإرادة كاملة، سواء كان الأمر بالنسبة لهؤلاء الضباط النشطاء أو لأولئك الاحتياطيين القادمين من الجيش(1).
لقد اعتبر ضباط م.أ.خ في البداية كمتطوعين سواء من الجيش النشيط (Active) أو الجيش الاحتياطي (Appelée) وفي مختلف الأسلحة البرية أو الجوية وفي هذا الصدد يقول العميد كيافيين : "لم يكن عندي الخيار بين القبول أو الرفض إلا شجاعة التطوع"(2).
يذكر الكتاب المعنون بـــ "فرنسيين وفرنسيات تحت إرادة قوية، الجزائر بحاجة إليكم" الصادر في الثلاثي الأول 1958 الموجه إلى ضباط وضباط الصف النشطاء والاحتياطيين والشباب، طرق التسجيل و التعويض لضباط م.إ.خ : ضابط نشيط يتم ترقيته بدرجة، و هناك ترقية استثنائية تتم في المناطق العملياتية ﺑــ 24.960 فرنك قديم، و عندما يصبح ضابطا في م.إ.خ يحصل على امتياز أكثر من ضابط (AA)(3) و الذي يترقى بدرجة بين 9.000 و 18.000 فرنك فرنسي و كذلك تعويض ﺑــ 5.000 فرنك، و من اجل أن يصير هذا الضابط ضابطا في هذه المصالح يجب أن تكون له إرادة تطوعية دون أي شروط خاصة، فهؤلاء كلهم متطوعين، و طلبهم يجب أن ينتقل عن طريق السلم العسكري و الحكومة العامة في الجزائر، كما يشترط في الضابط الاحتياطي المتطوع أن يكون في وضعية نشيطة لمدة تتراوح بين 06 أشهر و 03 سنوات قابلة للتجديد محددة ﺑـ 15 سنة كخدمة عامة، و إلا فالضابط يمكن أن يعين تحت المرسوم 56-374 المؤرخ في 12-04-1956 لمدة تتراوح بين 06 أشهر و 18 شهرا قابلة للتجديد، و في هذه الحالة يتلقى الضابط الاحتياطي نفس تعويضات الضابط النشيط، أما فيما يخص ضباط الصف الاحتياطيين و النشطاء و المساعـــــدين لرؤســاء م.إ.خ عن طريق عقد تطوعي بالإضافة إلى الاستفادة من تعويضات الرتب و المنطقة العملياتية و تعويضات AA من وجهتين، فإذا بقي في منصبه لأقل من سنتين يتلقى تعويضا بقيمة 5 آلاف فرنك فرنسي قديم كمقابل له، أما إذا بقي أكثر من سنتين فانه يتلقى تعويضا يقدر ﺑــ07 آلاف فرنك قديم(4).
(1) file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif: Grégor Mathias, Op. Cit., P : 28.
(2) : M.D.F. Op. Cit., P : 25.
(3) : Affaires Algériennes (AA) الشؤون الجزائرية
(4) : Grégor Mathias, Idem, P : 29.
حسب دراسة قام بها الجيش الفرنسي في ملتقى الشؤون الجزائرية الذي انعقد في 16-10-1958 و 1959 و 1961 في بيرات Piratte بفرنسا، وضحت وجود ثلاثة فصائل من الجيش ساهمت في تمويل م.إ.خ بعناصر الجيش الضباط و صف الضباط : المشاة، جيش المدرعات و القوات الجوية، أما سن هؤلاء الضباط فلم يشار إليهم إلا في العدد السادس (06) في "Bulletin de liaison"، أما الأعداد التالية فهي لا توضح أعمارهم و هذا ما لا يسمح بتحليل التطور على المدى الطويل، فمن بين 09 ملازمين و نقيب لقوا حتفهم قد أشير إليهم في العدد السابق (06)، ورغم هذا إلا انه هناك 03 محطات كبرى لتصنيف الأعمار: ثلاثة ضباط بين 25 و 26 سنة، وضابطين بين 34 و 36 سنة، وضابط واحد يتراوح عمره بين 44 و47 سنة، كما أن احتياجات التوظيف لم تمنع عددا كبيرا من الضباط من التطوع، و يمكن أن نصنف هؤلاء المتطوعين حسب دوافعهم في التطوع إلى سبعة أنماط متتالية :
1- قدامى الضباط في الشؤون الأهلية بالمغرب الأقصى : و هم الذين أرادوا أن يكملوا و يتموا مهمتهم في الجزائر، فبعض هؤلاء مر بتجربة الطائر للجنرال بارلونج، و لكن العائق الوحيد الذي مس هؤلاء الضباط هو السن المحدد ﺑـ45 سنة، فدوافعهم تجلت في الرغبة لمواصلة التجربة التي أثبتت نجاحها في المغرب، لقد وضعوا في مقدمة م.إ.خ و كونوا بعدها سلم الشؤون الجزائرية على مستوى الدوائر والأمانات(1).
2- قدامى المحاربين في الهند الصينية(2) : يبدو أن هؤلاء ضجروا من الحرب العنيفة ورأوا في م.إ.خ وسيلة يمكنهم من خلالها تقديم خدمات لفرنسا، و لكن بعد اصطدامهم بهذه التجربة أخفقوا إخفاق حرب طبقية، لقد أدركوا أهمية الشعب في مواجهة من هذا النوع، فدوافع هؤلاء الضباط هي استغلال التجربة من اجل إنجاحها في الجزائر، حيث يصف "جون فينسنت" هذا النمط من ضباط م.إ.خ : " عمليا كلهم قدموا من الهند الصينية، فهذه التجربة ذات أهمية (...)، في هذه الحرب كل الضربات استخدمت من طرف الفيتناميين"(3).
(1) file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif: Grégor Mathias, Op. Cit., P : 32.
(2) : M.D.F. Op. Cit., P : 27.
(3) : Grégor Mathias, Idem, P : 33.
3- مجموعة الخبراء الذين كان لهم دراية بأحوال المغرب العربي و اللغة العربية : هؤلاء يمكن اعتبارهم كمتطوعين لان تكوينهم قادهم آليا إلى الاحتكاك بالجماهير الشعبية، و نجد من بين هؤلاء "نايتول" الذي قدم من مركز الدراسات الأفروآسيوية بعد إنهاء تربصه تحت قيادة العقيد "لاشيروي" تلقى أمرا مع عشرة ضباط آخرين للالتحاق بالجزائر لتدعيم البلديات المختلطة بعد مروره بتدريب قصير في مصلحة الشؤون الصحراوية ألحق مباشرة بهذه الطبقة، كما توضح نشرة الشؤون الصحراوية في عددها العشرين الصادر في ماي 1955 أن تسعة من ضباطه قد ألحقوا بجنوب قسنطينة لشغل مناصب الاتصال والاستعلام تحت سلطة الجنرال بارلونج أثناء قيامه بتجربة الطائر(1).
4- المثاليين : وغالبيتهم كاثوليك جاءوا يحملون المثل التي بدت عليهم بدءا من مباشرة أعمالهم في م.إ.خ، إنهم جاءوا يحملون شعار مساعدة السكان على خطى المبشر الجاسوس شارل دوفوكو، وهذا ما يوضحه "فيفي" في قوله : "إن ملك 25 سنة ستكون في خدمة هذا الشعب، إن هذا يعطي معنى للحياة"(2).
5- المتطوعين للمرة الثانية : هؤلاء تطوعوا ثانية، إنهم جددوا تطوعهم، حيث أرادوا أن يشغلوا مناصب إدارية دون خبرة بالريف، و كانوا من بين الذين عملوا من قبل في الجزائر، و لكنهم أرادوا مواصلة عملهم في محاربة جبهة التحرير الوطني بطرق أخرى.
6- أصحاب الغايات السيئة : هؤلاء كانت لهم غايات سيئة، كانوا يبحثون عن أمجاد و تشريفات، انخدعوا لأنهم قدموا على أساس أنهم سيعملون في وحدات إدارية، و هؤلاء هم المحاسبون وعمال البنوك وأعوان التامين وممثلي التجارة، لقد تفاجئوا حينما وجهت إليهم قيادة المخزن و الأمن و الكمائن و الدوريات و كانوا يعتقدون إنهم لا يشغلون إلا المناصب الإدارية كتوجيه الأعوان مثلا، فنصفهم أصيب بصدمة و خيبة أمل حيث قال احدهم ممن كانوا في القبائل الكبرى : "عندي أربعة أبناء و لا أريد أن يصيبني أي أذى"(3).
(1) file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif: Grégor Mathias, Op. Cit., P : 33.
(2) : M.D.F. Op. Cit., P : 28.
(3) : Grégor Mathias, Idem, P : 34.
لكن التقرير الأدبي الذي كتبه العقيد "نيوكس" سنة 1958 يوضح انه منذ البداية كانت معنويات هؤلاء الضباط منحطة لأن غاياتهم سيئة، و لكن مع اندماجهم في العمل بنشاط لتوجيه المصلحة الإدارية المختصة على شاطئ البحر و المصلحة الإدارية الحضرية للجزائر العاصمة ارتفعت معنوياتهم، حيث يقول : " برجوازيون في الغالب يبقوا برجوازيين"، و يقصد "نيوكس" في قوله هذا إلى أن هؤلاء ليسوا ضباطا من النوع الذي يتحمل المشاق كنصب الكمائن و الدوريات بل كما ذكر "غريغور ماتياس" أن غايتهم هي شغل مناصب البرجوازيين في الإدارة و التوجيه و التسيير، لذلك نجد أن العقيد "نيوكس" نظر إليهم من هذا المنظار، و لكن في الحقيقة إنهم كانوا يهابون الحرب التي كان يخوضها جيش التحرير الوطني في الجبال، فصاروا جبناء كلما تذكروا حرب الهند الصينية، لأنها تشبه إلى حد ما ثورة التحرير، خاصة حرب العصابات التي أرعبهم بها الثوار.
7- الضباط المنفصلين عن م.إ.خ الذين احتفظوا بعملهم كضباط فيالق : فهؤلاء ألحقوا بالمصالح الإدارية المختصة، و لكن مع إبقائهم في وظائفهم كضباط فوج أو فيلق، فهذا النمط ليس هامشيا، بل لعب دورا كبيرا في م.إ.خ، نذكر من بينهم الملازم "بتيتبواس Petitbois" الذي كان رئيسا بالمصلحة المختصة "اللفعة" في جويلية 1957 و لكنه كان يدير أيضا فصيلة المدفعية، و الذي بقي في وظيفته عندما طلب رسميا تحويله إلى م.إ.خ، و مثله "ألكي "J.Y Alquies الذي كان رئيسا في المصلحة المختصة "القصر صباحي" في جوان 1958، وقد كان من قبل رئيس (قائد) للمضليين ما بين أكتوبر1956 إلى أوت 1957.
رغم هذه التحفيزات المالية و الترقيات في الرتب إلا أن عدد المتطوعين ظل غير كاف بسبب الشروط المطلوبة في السن المحدد كأقصى حد ﺑـ 45 سنة، مثلما حدث للملازم "مونتييرو" في م.إ.خ بــ"ماسينة" و الذي كان مناضلا قديما، لكنه أزيح فيما بعد من منصبه كرئيس للمصلحة المذكورة لأن سنه بلغ 46 سنة، و يذكر هذا الأخير بأنه من بين 650 مصلحة كان هناك 300 منها على رأسها قادة لا يؤمنون بمهمتهم و هو ما يمثل أكثر 45 % و هذا ما يعكس مشكلة التجنيد، و المتطوعين عن قناعة نادرين في الجيش النشيط، و لكن رغم هذا إلا أنهم قدموا خدمات جليلة و قيمة(1)
(1) file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif: Grégor Mathias, Op. Cit., P : 34-35
يذكر عالم الأجناس البشرية "جون سيرفيي" في كتابه "وداعا يا جبال" أنه في محاورته لأحد ضباطه المختارين بإرغام والذين عينوا قسرا، و الذي كان ضابطا في المصلحة الجديدة حول المنظمة الأخوية للرافضين لقرية المصلحة المختصة، فرد عليه انه لا يعرف القرية و انه لم يخرج أبدا.
يقول "جون سيرفيي" عن العوائق التي واجهت السلطات الاستعمارية في تجنيد ضباط م.إ.خ، عندما سأل الضابط الذي حاوره عن تطوعه أو إرغامه فردد : " لقد ضقت ذرعا من هذه المهنة السيئة، لقد فضلت أن أكون جنديا في الجيش ألا تفهم ذلك أيها الناظور (الشامبيط)، لقد أجبروني على البقاء دون استشارتي"(1).
أما فيما يخص التربص من اجل التكوين، فان ضباط م.إ.خ كانوا يخضعون إلى نمطين من التربص : تربص طويل المدى وهو يخص الضباط الراغبين في الخدمة على المدى الطويل في الشؤون الأهلية، حيث يدوم سنة كاملة يتلقون فيه تكوينا إداريا متخصصا يحتوي على مجموعة من المعارف حول اللغة العربية و الأمازيغية و عادات المجتمع الإسلامي، إضافة إلى التدريبات التطبيقية والخرجات الميدانية لتكملة تكوينهم، كما كان يقدم لهم برنامجا مكثفا يتناول قضايا عسكرية و قضايا التسيير العام : المحاسبة و الفلاحة في المناطق القاحلة كما توضح الندوة الصحفية للجنرال "بارتيوت"، النمط الثاني من التربص الذي يشمل تربص قصير المدى، يكون فيه التعليم عاما مع دوامه لمدة شهر، مع إمكانية مواصلة الدراسة حول اللغة العربية و الأمازيغية عن طريق المراسلة، و لكن هذا الأخير يقر بوجود ثغرات في هذا التكوين، حيث كان يتلقى فيه الضباط مجموعة من المعارف التاريخية و الجغرافية و اللسانية (اللغات) عن الجزائر، و بسبب وجود مشكلة التجنيد و الإسراع في إنشاء المصالح المختصة فإن قليلا من هؤلاء الضباط هم الذين نالوا تربصا طويلا، أما البــــاقي فقد اكتـــفوا بالتربص القصير المــدى مثــل المجـــند "جاك بـــاجي" الذي قـــال(2):
(1) file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif: M.D.F. Op. Cit., P : 26
(2) : Grégor Mathias, Op. Cit., P : 35-36
"إن مدة تربصي كانت تتراوح بين 10 أيام أو شهر و ربما 24 ساعة فقط "، وهذا التربص كان قبل كل شيء متخصص في تعليم اللغة العربية حيث يضيف قائلا : " أن 40 ساعة كاملة كانت مخصصة لتعليم اللغة العربية، و يضاف إليها دروسا بالمراسلة"، ورغم هذا فإن نصف من هؤلاء الضباط فقط هم الذين تتوفر فيهم الكفاءة اللغوية لربط علاقات مع السكان (الأهالي) و من اجل ضمان تقدم خدمة الاستعلامات، لأن التكوين المقدم لهم كان مركزا على التجسس والاستعمال الفوري للمعلومات البسيطة.
لذلك فان تكوينهم كان ناقصا كما يشير إليه المرشح "لاشوم" في قوله : "كان هنالك عجز في التكوين خاصة في البلديات الجديدة للسكان الأصليين، و بخاصة فيما يتعلق بالميزانية و تنفيذها و كذا مصالح الحالة المدنية، لذلك يعتبر هذا النقص من عوامل الفشل في الاستقرار، و كما يؤكد ذلك القائد "لالان" الذي أرسل يوم حضوره من العاصمة إلى المصلحة الإدارية المتواجدة بتنس : "لقد كان إقحاما سريعا و مليئا بالمفاجآت والطوارئ"، و لكن عند ذهابهم إلى مهامهم يكون هؤلاء الضباط مزودين بدراسات مكتوبة من طرف الضباط الأوائل والسابقين في العمل، حيث تحتوي هذه الدراسات على وصف لكل شيء عن الدواوير و المناخ و التضاريس و عن الأشخاص الذين لهم نفوذ على غيرهم من السكان و كذلك عدد المدارس و الأودية و طرق المواصلات و الجمعيات، و هذا يعتبر بمثابة معرفة قاعدية للبيئة الجديدة التي سيعملون فيها، و يعتبر اكتسابهم لأشياء و معارف جديدة في الميدان مكملا لهذا التكوين النظري، و رغم هذا إلا أن اغلب التربصات كانت قصيرة و سريعة بسبب حالة الطوارئ و الاضطرابات في الأرياف و نأخذ على سبيل المثال "ميار" الذي خضع لتربص دام 04 أيام فقط في جويلية 1960 في ارزيو حيث كان يقوم بسبعة ساعات في ندوة لليوم الواحد مقسمة على أعمال تطبيقية وتنظيمية وتسديد بالمسدس وزيارة المصالح الإدارية المختصة و الدفاع الذاتي، و كذلك الأمر بالنسبة للملازم فيفي الذي تربص في ديسمبر 1958 حول "SAU" المركز الإداري الحضري في القصبة لمدة شهرين، خضع خلالها للــــــدروس في اللغة العربية "أيمينا تاقارا" لمدة 06 أشهر ثم أتمها بشهرين(1)
(1) file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif: Grégor Mathias, Op. Cit., P : 36
كتربص تطبيقي في بلاد القبائل، في جويلية 1958 و بعد أربعة أشهر من التكوين اخذ مكانه في لاصاص، و هنا يعطي بارتيوت الإحصائيات التالية : 15% من ضباط لاصاص يعرفون اللغة العربية و القبائلية، 50% قادرين على مراقبة مترجميهم، فجميع الضباط عندهم مبادئ اللغة العربية(1).
حسب ما سبق ذكره آنفا، ما يمكن أن نستخلصه كخلاصة لهذا الفصل هو أن م.إ.خ ما هي إلا عبارة عن عمل بسيكولوجي (حرب نفسية) يسير جنبا إلى جنب مع العمل العسكري، و ما هي إلا امتداد للسياسة الاستعمارية في النصف الثاني من القرن 19 م و المتمثل في سياسة المكاتب العربية، فظهرت في ثوب جديد تحت اسم م.إ.خ و تحت إشراف ضباط الشؤون الأهلية.
file:///C:/DOCUME%7E1/exp/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image002.gif
(1) Grégor Mathias, Op. Cit., P : 37-38 :